أحمد مصطفى المراغي
24
تفسير المراغي
في دينهم ودنياهم - ذكر هنا تفصيل هذا الوحي ، وأرشد إلى أنه هو الدين الذي وصى به أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة ؛ وأردف ذلك أن المشركين يشقّ عليهم دعوتهم إلى التوحيد وترك الأنداد والأوثان ، وأن اللّه يهدى من يشاء من عباده لهدى دينه ، وأنهم ما خالفوا الحق إلا بعد إبلاغه إليهم ، وقيام الحجة عليهم ، وأنه ما حملهم على ذلك إلا البغي والعدوان والحسد ، وأنه لولا الكلمة السابقة من اللّه بإنظار المشركين بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة في الدنيا ، وأن من اعتنقوا الأديان من بعد الأجيال الأولى ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم ، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان ، وهم في حيرة من أمرهم ، وشك مريب وشقاق بعيد . الإيضاح ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ) أي شرع لكم من الدين ما شرع لنوح ومن بعده من أرباب الشرائع وأولى العزم من الرسل ، وأمرهم به أمرا مؤكدا ؛ وتخصيص هؤلاء الأنبياء بالذكر ، لعلوّ شأنهم وعظيم شهرتهم ، ولاستمالة قلوب الكفار إلى أتباعه ، لاتفاق كلمة أكثرهم على نبوّتهم ، واختصاص اليهود بموسى عليه السّلام ، والنصارى بعيسى عليه السّلام - وإلا فكل نبي مأمور بما أمروا به من إقامة دين الإسلام وهو التوحيد ، وأصول الشرائع والأحكام مما لا يختلف باختلاف الأعصار كالإيمان باللّه واليوم الآخر والملائكة واكتساب مكارم الأخلاق وفاضل الصفات . وفي الآية إيماء إلى أن ما شرعه لهم صادر عن كامل العلم والحكمة ، وأنه دين قديم أجمع عليه الرسل ، وما أوحاه إليه هو إما ما ذكر في صدر السورة ، وفي قوله : ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا ) الآية .